علي بن أحمد المهائمي

654

خصوص النعم في شرح فصوص الحكم

واستتر بظهور صورها فيه ، وفي صورة الآباء ظهر بصورته في العالم واستتر بظهور حدوثهم ، فقد اجتمع فيه الظهور والبطون ؛ ( ليعلم فرعون مرتبته في العلم الإلهي ) ، وإنما قصد إعلام فرعون ذلك ؛ ( لعلمه بأن فرعون يعلم ) من المؤمنين باللّه ورسله أن الرسل يقولون ذلك ، وإن كان منكر لإلهية ما سواه فضلا عن إرساله رسولا ، ( فقال : رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ ، فجاء ) بطريق الإشارة في المشرق ( بما يظهر ) ، وفي المغرب ( بما يستتر ) ؛ وذلك ليفهم منه أنه ( هو الظاهر والباطن ) من غير تقييد بأحدهما ، ولا بالجمع بينهما ، ولا بانزواء أحدهما عن الآخر ؛ وذلك لأنه أيضا ما بينهما هو العلم ، إذ لا يظهر في الحس ولا يبطن في العقل ؛ فلذلك قال : وهو أي : قوله : ( وَما بَيْنَهُما هو قوله : وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ ) . ثم أشار إلى أنه ، وإن نفي تقييده بشيء من ذلك ، فهو تقييد له بأنه لا يتقيد ، فقال : ( إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ أي : إن كنتم أصحاب تقييد ) تقيدونه بعدم التقييد بشيء من ذلك ، فإن العقل من حيث اشتقاقه من العقال تقييد ، فهو يشير إلى التقييد لا بطريق العبارة ، بل بطريق الإشارة ، وفي بعض النسخ : ( فإن العقل التقييد ) ، وإذا اعتبر بظهور صورة الحق في الخلق أو صورة الخلق في الحق في الجواب الأول ، والبطون بالذات ، والظهور بالذات في الجواب الثاني . ( فالجواب الأول ) الذي باعتبار الظهورين هو ( جواب الموقنين ) عين اليقين ؛ وذلك لأنهم ( هم أهل الكشف ) تنطبع في قلوبهم صورة الحق الوجودية المجردة عن الماهية ؛ ولذلك يقال لهم : أهل ( الوجود ) ، فتجعل تلك الصورة قلوبهم منورة تنوير صورة الشمس للمرآة ، فيكاشفون عن الحق ، ثم تنعكس صورهم في الحق ، فيشاهد كل من الحق والنفس في مرآة الآخر ، ( فقال لهم : إِنْ كُنْتُمْ مُوقِنِينَ ، أي : أهل كشف ) كوشفتم بصورة كل من الحق والنفس في مرآة الآخر ، وذلك عند كونكم أهل ( وجود ) مجرد عن الماهية ، ( فقد أعلمتكم ) بقولي : رَبُّ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما بَيْنَهُمَا ، وبقولي : رَبُّكُمْ وَرَبُّ آبائِكُمُ الْأَوَّلِينَ إلا أنه خص ذكر الآيتين في القرآن بما اعتبر فيه ظهور صورة الخلق في الحق لسترها مرآة الحق ، ففيه وجه خفاء بخلاف ما اعتبر فيه ظهور صورة الحق في الخلق ، فالحق فيه واضح ( بما تيقنتموه في شهودكم ووجودكم ) ، فإن الحق وإن استتر في اعتبار ظهور صورة الخلق فيه ، فظهور صورة الخلقية إنما يكون بعد هذا الشهود والوجود . ( فإن لم تكونوا من هذا الصنف ، فقد أجبتكم في الجواب الثاني ) بما يدل على بطونه باعتبار ذاته المنزهة ، وعلى ظهوره باعتبار دلالة الأدلة عليه ( إن كنتم ) أصحاب ( عقل ) يدل على تنزهه في ذاته ، ( وتقييد ) تقيدون الحق بما دل العقل عليه من التنزيه ، ونحن